بقلم المنصف بن مراد: لتر زيت الزيتون أصبح حلما مستحيلا في تونس!

بعد محاولة تدمير الدولة التونسية وتعويضها بالميليشيات والأحزاب المتطرّفة والمتشدّدين المقنّعين بالدين والمتحالفين مع أباطرة التهريب، ها إنّ التونسي المسكين محتار ـ اليوم ـ أمام الارتفاع الجنوني للأسعار والأتاوات والضرائب المشطّة وكأنّنا بصدد العودة الى زمن بعض البايات الذين فرضوا على الشعب وخاصّة الفلاحين أتاوات لا تطاق وما أنزل الله بها من سلطان.. انّ حكومة يوسف الشاهد ورئيس الجمهورية غير واعيين بمتاعب الشعب التونسي ومعاناته، فقد فرضت عليه الحكومة سياسة جبائية جعلت من الفقراء، مواطنين اكثر فقرا ومن الطبقة الوسطى في عداد الفقراء، وأمّا أثرياء البلاد فصاروا من «أعيان» التهريب والسياسة ومن عالم الفقر انتقلوا الى دنيا الثراء الفاحش، وتونس ـ بلادنا ـ تزداد تداينا وفوارق بين الطبقات الاجتماعية..

ودعوني أسمح لنفسي بأن أسأل السيدين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وعلى سبيل الذكر لا الحصر: هل يعلمان ان لترا من زيت الزيتون (وتونس من كبار المنتجين له في العالم كما تعلمون) بات على مشارف عشرة دنانير مما جعله حلما مستحيلا على أغلب التونسيين؟
انّ الحكومة التونسية ـ وبضغط من صندوق النقد الدولي ـ فرضت سياسة جبائية هدفها جني أكثر ما يمكن من المال لتغطية مصاريف الحكومة وإنجاز مشاريعها.. صحيح انّ صندوق الدعم يثقل كاهل الدولة ويجب مراجعته حتى لا يستفيد منه سوى من يستحقّه، لكن هناك ضغوطات جديدة (ارتفاع أسعار الماء والكهرباء والسكر والبنزين وأتاوات أخرى) ستجعل من تونس بلادا لا يطيب العيش فيها وإن كان التونسيون يحبّون بلادهم وليسوا على استعداد لهجرها كانت ما كانت رفاهة الحياة  في بلدان أخرى! كما ان هناك تهديدات واضحة تتربّص بقطاعي الصحّة والتعليم وبكلّ المصاريف الحكومية الاجتماعية..

والثابت أنّ ذلك ما يريده صندوق النقد الدولي إضافة إلى أنّ الحكومات التونسية التي تعاقبت على السلطة منذ تغيير النظام ـ ودون استثناء ـ لم تحدّد ميزانية ذات ابعاد اجتماعيّة جليّة علما انّ أيّ ميزانية ليست بعملية تقنية (مداخيل ـ مصاريف) بل انها تعكس ـ أساسا ـ الاختيارات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للحكومة! ومع الصّعوبات المالية التي تنتظر أغلبية الشعب التونسي، لابدّ من التذكير بأنّ بعض المعطيات تشير الى انه سيقع التقليص في منحة التقاعد، وأغلب المتقاعدين ـ وخلافا لرؤساء الجمهورية والوزراء وأعضاء مجلس النواب وكبار المسؤولين الاقتصاديين السّابقين ـ هم اليوم في وضعية صعبة وحتى حرجة.
وفي ظلّ كل هذا طلب اتحاد الشغل من الحكومة تجسيم أو تفعيل الاتفاقات الخاصّة بأجور  الموظفين وفرض العدالة الجبائية التي ترفضها بعض القطاعات مثل الأطبّاء والمحامين وأصحاب المهن الحرة بصفة عامّة، وهذا الرفض خطأ فادح في حق الوطن.

في المقابل طالب اتحاد الشغل بمحاربة اباطرة التهريب لكن الحكومة لم تتخذ اي موقف حازم وعادل ووطني بفرض الشّفافيّة والتي لم تنجح أيّة حكومة تونسية في إقرارها منذ الاستقلال خوفا من أصحاب المهن الحرّة والمظاهرات التي تدعو إلى الدّفاع عن المصالح القطاعية الضيقة..
صحيح ان الشبان الذين يتعاطون هذه المهن منذ سنوات قليلة يتعرّضون لصعوبات، لكن بعد نحو عشر سنوات من العمل يجب فرض هذه العدالة على اي كان من هذه المهن، ولو انّ الحكومات تعوّدت على التراجع في قراراتها اذا خرج حتّى  العشرات من المتظاهرين الى الشارع!
لقد كتبتها مرارا لكنّهم لا يحبون النّاصحين: انّ تونس بحاجة الى حكومة قوية وعادلة كما أنّها بحاجة الى رئيس حكومة ووزير دفاع ووزير داخلية من حديد، لكن التوازنات بين حزب النداء وحركة النهضة أجهضت تكوين اية حكومة صلبة تحترم الدستور والحريات وفي الوقت نفسه تفرض الانضباط..
 وفضلا عن ذلك فإنّ  كلّ الحكومات لم تصغ للمطالب الاجتماعية والداعية الى اكثر عدالة اجتماعية كان طالب بها اتحاد الشغل.. بكل صراحة ظلّت الحكومة التونسية ومازالت ـ منذ تغيير النظام لا تفكر ـ بما فيه الكفاية ـ في مشروع اجتماعي يجعل من تونس نموذجا يحتذى به على غرار ما فعله الزعيم بورقيبة الذي اهتم بحقوق المرأة والصحة والتعليم إذ أولاها ما تستحقّ من رعاية وعناية.

لقد اصبحنا اليوم في ضبابية سياسية وكلّنا مهدّدون بالتوجّهات الاقتصادية والاجتماعية بما انّ الحكومة لم تع المطالب الاجتماعية والثقافيّة ولأنّ أجزاء من الشعب التونسي سترفض حمل اعباء الاختيارات الحكومية والحال أنّ عددا من التونسيين يتمتّعون بامتيازات وبتعويضات أفلست البلاد..
في الختام يبدو أنّ بعض المسؤولين عن الأحزاب يعتزمون تمرير قانون التوبة حتى يتسنّى للارهابيين العودة إلى تونس بعد ان قتلوا ودمّروا وذبحوا وكفّروا وعنّفوا ومارست إناثهم «جهاد النّكاح» وعاثوا فيها فسادا وخرابا وفجّروا المتاحف وحرقوا «الكفار» أحياء! كيف يمكن لأقلية من حاملي جوازات سفر وبطاقات تعريف وطنية أن يقرّروا رجوع الارهابيين بعد ان هزموا في سوريا وليبيا والعراق، علما انّ قانون مكافحة الارهاب يعاقب بالسجن من 5 الى 12 سنة كل من ساهم في عمليات ارهابيّة وإن كان خارج حدود الوطن؟!

فمن هو السياسي الأبله الذي يتصوّر أنّ الـ6000 ارهابي الذين سيسمح لهم بالعودة سيتحوّلون الى حمائم أي إلى أشخاص متشبّعين بقيم الحرية والتسامح والديمقراطية ويرفضون العنف بكلّ أشكاله؟!
وحتى لو سخّر لهم ستّة آلاف أمني تونسي فإنّ مراقبتهم ستتطلّب تجنيد ثلاثة فرق في اليوم الواحد أي شرطيين ضارب3 (مدّة العمل لثماني ساعات) أي 36.000 أمني في اليوم! فلا تضحكوا على ذقوننا أيّها السياسيون، انّ تونس ليست ملكا لكم وثقوا بأنّنا سنتحرك في الشوارع اذا قررتم ارجاع المجرمين الارهابيين إلى بلادنا!

المصدر: الجمهورية

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة