مآل الفيتو الفرنسي بعد الفشل في تشتيت الصف الافريقي


بقلم: الديش محمد الصالح
إن قضية الصحراء الغربية، التي تعتبر مسألة تصفية استعمار، حلها مرتبط بتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره طبقا لقرار الجمعية العامة 1514 لسنة 1960 وكل القرارات اللاحقة للجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وكل الاستشارات القانونية تؤكد على ذلك. ولعل أحدى الفرص الهامة لمعالجة القضية والمتطابقة تماما مع الشرعية الدولية كانت ولازالت خطة التسوية لسنة 1991 الرامية إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير والتي وقع عليها طرفا النزاع جبهة البوليساريو والمملكة المغربية. لقد جاءت هذه الخطة بعد جهود حثيثة مشتركة للأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية/الاتحاد الفريقي الآن وصادق عليها مجلس الأمن بالاجماع، وهي الخطة التي تم بموجبها وقف إطلاق النار وتواجد القوات الدولية على التراب الصحراوي.
ورغم أن فرنسا، العضو الدائم بمجلس وحليفة المغرب، صادقت على خطة التسوية لما تحمله من قوة الشرعية الدولية، الا انها من جهة استغلت المتغيرات الدولية للتحكم في توجيه مسار المسلسل السياسي لخدمة توجهاتها وسياساتها القذرة في المنطقة. ومن المعروف أن نظام المغرب، كغيره من أنظمة أخرى في القارة الأفريقية، هو من صنع فرنسا ويخدم مصالحها في بسط هيمنتها على الشعوب واستغلال خيرات بلدانها. ولا شك أن تراجع المغرب عن التزاماتها اتجاه تنظيم استفتاء لتقرير المصير هو ايحاء من فرنسا التي ترى ان استمرار نزاع الصحراء الغربية يسد الباب أمام مساعي قوى دولية أخرى في توسيع مجال مصالحها والتي أصبحت تضايق فرنسا في منطقة شمال أفريقيا المعروفة اصلا بأنها منطقة نفوذها.
جميع أعضاء مجلس الأمن يطالبون بحل سريع لقضية الصحراء الغربية على أساس الشرعية الدولية ما عدى فرنسا، التي لا تعارض مسألة تنظيم استفتاء لتقرير المصير لوحده، بل تعارض توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وتعارض إجراء تحقيقات في الخروقات المستمرة لحقوق الإنسان وفتح الأراضي الصحراوية لدخول المراقبين والصحافة الدولية، كما أنها تعارض جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ولم تسمح بتوجيه اي إنذار للمغرب لاساءتها للأمين العام للأمم المتحدة، وترفض اتخاذ أي موقف من المغرب لطردها ل84 من موظفي بعثة الأمم المتحدة، كما ترفض اتخاذ أي موقف بشأن اختراقها لوقف إطلاق النار في الكركرات، وفي المقابل تشجع على نهب الثروات الطبيعية للصحراء الغربية. 
ان من بين اكبر المخاطر التي يخشوها صناع السياسة الفرنسيين هو أن يتحقق اندماجا اقتصاديا لدول المغرب العربي ولسيما إذا تدعم ذلك بافريقيا ككتلة قوية ووازنة في المشهد الدولي، ولهذا السبب تعمل فرنسا دوما على زعزعة استقرار بلدان المنطقة وتعرقل حل مشكلة الصحراء الغربية. فمحاولة المملكة المغربية الآن دخول الاتحاد الأفريقي هي بالأساس من أجل أضعاف قوة التضامن الأفريقي وإحداث الانشقاق في صفوف أفريقيا عندما لوحظ انها في طريق التقدم نحو الوحدة والاندماج الاقتصادي، وعلى هذا الأساس فإن المملكة المغربية غير مرحب بها بين الافارقة لانها لازالت ترفض الانصياع للشرعية الدولية التي ما فتأت أفريقيا تدافع عنها منذ الوهلة الأولى والتي كانت نتيجتها وجود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كعضو مؤسس للاتحاد الأفريقي.
بالتأكيد أن فرنسا ستخسر المغرب العربي مادامت مصرة على الاستمرار في سياساتها التقليدية بل وستخسر افريقيا كلها، وعرقلتها لجهود المنتظم الدولي لحل قضية الصحراء الغربية التي تعتبر مفتاح الانفراج الكلي في المنطقة سيستفيد منه أطراف القوى العظمى الأخرى التي تؤيد نهاية سريعة للنزاع. وبالرغم من الانسداد الذي يعرفه مسلسل الحل السياسي بسبب الموقف الفرنسي، فإن القضية الصحراوية تشق طريقها نحو الاعتراف الدولي بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كحقيقة فرضت نفسها بشرعيتها ونبل أهدافها وقوة عزيمة شعبها. فما بدى من تضامن افريقي كبير في المدة الأخيرة مع الكفاح المشروع الذي تخوضه الجمهورية الصحراوية وشعبها يؤكد أن الفيتو الفرنسي قد تجاوزه الزمن أمام إرادة الشعوب الافريقية ومآله مزبلة التاريخ.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة